النهضة و التغيير /

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية.. (1) [ تقرير ]

[ الاثنين 20 رمضان 1431 هـ ] [ 367 ]

"...كانت المجلة تسدّ ثغوراً كثيرة من ثغور العمل الإسلامي، ويقوم الشيخ محمد رشيد رضا بتحرير أغلب موادّ المجلة بنفسه، ويقوم بتصحيحها وفهرسة مجلداتها مما يسبب له الكثير من الإرهاق والعنت...."

إن الحديث حول تاريخ الصحافة الإسلامية سيكون خِـداجاً ما لم يتطرّق إلى فارس هذا الميدان "محمد رشيد رضا"- رحمه الله- ومجلته العتيدة "المنار"، هذا الرجل الفاضل الفذّ الذي انعقد له لواء الريادة والأسبقية في مجال إرساء دعائم العمل الصحفي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى في هذا العصر، وانتقاله بهذا الميدان نقلةً واسعةً ناضجةً، لا يملك المسلم المعاصر إزاءها إلا إزجاء أعطر آيات العرفان والشكر له ولجهوده الرائدة.
إذ كان رحمه الله رجلاً بـأمّة، حمل هموم العالم الإسلامي ووضعها نصب عينيه, وشخّص الأدواء التي تهدّ كيانها، وطفِـق بحثاً لها عن الحلول الناجعة، مجتهداً في اتخاذ الأساليب الإصلاحية السليمة المنسجمة مع منطلقات الشريعة وأصولها، فكان لهذه المجلّة وقعٌ طيب وصدى إيجابيّ في كل أصقاع العالم الإسلامي على مدى سبعة وثلاثين عاما هو عمر هذه المجلة.
من هنا، كانت هذه اللمحة السريعة في تعريف الإخوة القراء بهذه الشخصية الرائدة، ودورها البارز في مجال نشأة الصحافة الإسلامية، كجزء من العرفان والوفاء الذي يلزمنا تجاه روّاد الإصلاح والدعوة إلى الله تعالى في كلّ عصر ومِـصر.
• من هو الشيخ محمد رشيد رضا؟
وُلِد الشيخ محمد رشيد رضا في في قرية قلمون بالقرب من طرابلس الشام عام 1282هـ الموافق 1865 م، وتلقّى تعليمه فيها. وكان في بداياته واعظاً متصوّفاً، ثم تأثر بمدرسة الأفغاني ومحمد عبده بعد قراءته لأحد أعداد مجلتهما العروة الوثقى، وارتحل إلى مصر عام 1315 هـ، وتنقّل من الإسكندرية إلى القاهرة التي استـقـرّ به النوى فيها عام 1315 هـ، والتقى بالأستاذ محمد عبده ولازمه، وأفصح له عن رغبته بإصدار مجلة تعتني بأحوال المسلمين، وطرق إصلاح واقعهم المتردّي، لكن الأستاذ محمد عبده لم يكن متحمساً لإنشاء مجلة لاقتناعه بعدم جدواها في مقاومة الصحف التي تهتم بأخبار الخديوي والإنجليز مثل " المؤيد " والمقطم " والأهرام "، إلا أن محمد رشيد رضا أقنعه بصحة رأيه وضرورة إنشاء المجلة للتصدي لمهمة الإصلاح المنشودة، وأنه في هذا السبيل على استعداد للمغامرة وتحمّل تبعات هذه المغامرة، وقال:" إن معالجة قضايا التربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والأفكار الفاسدة التي فشت في الأمة كالجبر والخرافات، هي الباعث لي على إنشاء هذه الجريدة، وإنني أسمح أن أنفق عليها سنة أو سنتين من غير أن أكسب شيئا".
• إنشاء المجلة وانتشارها :
ولما صحّ العزم من الشيخ محمد رشيد رضا قام بإنشاء المجلة، وأطلق عليها اسم : "المنار"، وطبعها في مطبعة التوفيق القبطية، فصدر أول أعدادها في تاريخ 22 من شوال عام 1315 هـ, الموافق 15 مارس من عام 1898 م. يتألف العدد منها من ثمان صفحات كبيرة، تتوسّطها كلمة المنار بخطّ كبير. وقوبلت المجلة حين إصدارها بالترحاب والاهتمام من شتى طبقات المجتمع المثقفة؛ إذ كان أكثر المشتركين فيها من الطبقة المتعلمة وعلى الأخصّ من فئة المحامين والقضاة الأهليين. وكانت في بداية صدورها أسبوعية، لكنها اضطرّت لظروف معينة إلى أن تكون نصف شهرية، ثم إلى شهرية شبه منتظمة. ومع ذلك كان انتشارها في إطار ضيق فلم يزِد المشتركون فيها عن الثلاثمائة، إذ كان من أسباب ضيق انتشارها منع السلطات العثمانية المجلة من الدخول إلى ولاياتها، بسبب مواقفها المعارضة للسياسة العثمانية آنذاك.
ولكن الناس في تلك الأقطار بدأوا في التسامع بها، وازداد الطلب عليها لا سيما على ما فاتهم من أعدادها السابقة، وفي عام 199 أُعيد طباعة مجموعة أعداد السنة الأولى، وبيعت بأربعة أمثال قيمتها. فطار ذكرها وانتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى وصلت إلى الهند وسومطرة. فكان لانتشار هذه المجلة في العالم الإسلامي آثار إيجابية في نشر الأفكار الإصلاحية التي طرحها الشيخ محمد رشيد رضا بين ظهراني المسلمين، إذ يقول المستشرق "هاملتون جب" في كتابه "وجهة الإسلام "," ولم يشرق (منار) الإسلام على المصريين وحدهم، ولكنه أشرق على العرب في بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة الأزهرية، وعلى الأندونيسي المنعزل الذي ظل محافظاً على علاقاته بقلب العالم الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية على حدود دار الإسلام" ا هـ.
واستمرّت المجلة على هذا الحال من الإنتشار والذيوع في العالم الإسلامي رغم ما تعرّضت إليه من مصاعب جمة؛ فقد كانت المجلة تسدّ ثغوراً كثيرة من ثغور العمل الإسلامي، ويقوم الشيخ محمد رشيد رضا بتحرير أغلب موادّ المجلة بنفسه، ويقوم بتصحيحها وفهرسة مجلداتها مما يسبب له الكثير من الإرهاق والعنت.
ومن جملة العقبات التي جابهها إلى جانب ذلك العقبة المادية؛ فكان يعاني من مطل المشتركين في تسديد قيمة اشتراكاتهم، لأن المجلة لم تكن تتلقى أي مساعدات مالية من الخارج بسبب استقلاليتها الفكرية، وعدم انضوائها تحت راية حزب أو جهة حكومية أو أحد الأعيان القادرين. وكان كثيراً ما يطرح قضيّة مطل المشتركين في المجلّة تارةً بالتلميح، وأخرى بالتصريح، مما يدل على الحرج البالغ الذي كانت تتعرّض إليه المجلة بسبب هذه المشكلة، وتداعياتها على عمليّة نشر المجلة.
• الإتجاه السلفي في مجلة المنار:
كما رأينا في عرضنا السريع لسيرة الشيخ محمد رشيد رضا، أنه قد مرّ بعدة أطوار في حياته الفكرية، فكان في بداياته صوفياً، ثم متأثّراً بمدرسة الأستاذ محمد عبده العقلانية، ثم انتهى أخيراً إلى مرحلة اقترب فيها كثيراً من المدرسة السلفية، وهذه المرحلة الأخيرة - وهي الأهم - برزت في مادّة المجلة بشكل واضح، ونستطيع تحديد أهم ملامح هذا الإتجاه وفق ما يلي:
أولا: شنّت حرباً شعواءً على الشركيات والبدع المنتشرة بين المسلمين في مصر، وغيرها من دول العالم الإسلامي، كبدع البناء على القبور وتعظيم الأضرحة، والإستغاثة بالمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وحثت المسلمين على وجوب العودة إلى الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح في فهم قضايا التوحيد والشريعة.
ثانيا : دفاعها عن أعلام الدعوة السلفية، وركّزت على عَـلَميـْن شامخين من أعلام هذه المدرسة هما: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام المجدّد محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله؛ فقد كان يهتبل كل فرصة مواتية لبيان مكانة هذين العلَـمَيـن ومآثرهما ودورهما في الإصلاح والتجديد، والدفاع عنهما ودحض الشبهات والمفتريات التي عادةً ما يثيرها أعداؤهما. وكذا نشرت المجلة العديد من فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، وفصولاً من كتب ابن القيم رحمهما الله تعالى، للتنبيه على قيمة هذه الكنوز الـعـلمية. ثالثا : حاربت المجلة التعصّب المذهبي ودعت إلى فتح باب الإجتهاد، وإلى التمسّك بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة بدلاً من التعصّب لمقالات المشايخ والأئمة والجمود عليها، يقول محمد رشيد رضا رحمه الله:" ولا نعرف في ترك الإجتهاد منفعة ما. وأما مضارّه فكثيرة وكلها ترجع إلى إهمال العقل، وقطع طريق العلم، والحرمان من استقلال الفكر، وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى" ا هـ.
واستقطبت المجلة أقلاماً عُرفت بسلفيتها أمثال العلامة محمود شكري الألوسي، والعلامة جمال الدين القاسمي-رحمهما الله-، وكانت له مراسلات مع علامة القصيم الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله. ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله قد وقعت بيده نسخة من هذه المجلة تحتوي بحثاً علمياً كتبه الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب " إحياء علوم الدين " لأبي حامد الغزالي، فأعجبه هذا البحث لما انطوى عليه من نقد علمي، وموازنة بين حسناته وسيئاته، فكان هذا المقال دافعاً له للإنصراف إلى طلب علم الحديث الذي كان فيما بعد فارسه الذي لا يُشقّ له غبار في هذا العصر!
• معارك المنار الفكرية :
لم يكن طريق الشيخ محمد رشيد رضا ومجلته نحو الصدارة ممهّـداً بالورود، خالياً من الأشواك؛ إذ كانت مجلته غرضاً للكثير من السهام بسبب مواقفها التي تبنّتها إزاء العديد من القضايا الشرعية والفكرية، فتعرّض الشيخ رشيد إلى أعداءٍ كُـثُر نازلهم على جبهات مختلفة، يقول الشيخ في هذا الصدد : " أُجـاهدُ البدع والمبتدعين، والدجالين والخرافيين والمعممين الجامدين، والملاحدة والجاحدين، والمستبدين الظالمين، وأفنّد شبهات الماديين، وضلالات دعاة النصرانية المغاوين من غير اعتماد على ملك أو حكومة، أو مظاهرة حزب أو جمعية، أو مساعدة غني بماله، أو كاتب بقلمه " ا هـ. فتعرّضت مجلة المنار إلى هجوم شديد على صفحات مجلة الأزهر في مقالات كتبها الشيخ " يوسف الدجوي" حول قضايا التصوّف والتوسّل والشفاعة والإجتهاد، فردّ الشيخ محمد رشيد رضا عليه بمقالات في المنار وفي بعض الصحف المصرية اليومية، وجمعها أخيراً في كتاب واحد باسم "المنار والأزهر". وتعرّض أيضاً لهجوم من محسن العاملي وأحمد عارف الزين وعبدالحسين شرف الدين، وردّ عليهم بسلسلة مقالات في مجلة المنار، وفنّد شبهاتهم ونقضها بأسلوب علمي رصين. وكان للأقباط - بطبيعة الحال - نصيبٌ من الهجوم على الشيخ ومجلته، فقد هاجمته جريدة "مصر" القبطية، واتهمته بالهجوم على المسيحية وأهلها، وألـّبـت عليه الإنجليز والحكومة المصرية. فتعرّض الشيخ إلى مضايقات من الإنجليز الذين ضغطوا عليه بعدم نشر شيءٍ يمسّ السياسة على خلاف باقي الصحف، بحجة أن المنار مجلة أدبية. وتعرض كذلك إلى مضايقاتهم عند مغادرته إلى الشام، فحاولوا منعه من العودة إلى مصر.
• موقف المنار من التغريب والغزو الفكري :
لم يكن الشيخ محمد رشيد رضا متقوقعاً في برجه العاجي، أو منكفئاً حول ذاته، بل كان يتفاعل مع قضايا مجتمعه وما يعانيه من أدواءٍ فكرية، وما يتعرّض إليه من هجمات مسعورة يشنّها الأعداء، فوقف من خلال مجلته المنار سدّاً منيعاً في وجه مدّ الغزو الفكري الذي بدأ ينفث سمومه في جسد الأمة الإسلامية عموما، ومصر خصوصا، وتناول بالفضح أساليب التغريب والغزو الفكري المتـتـرّسة بحِـراب الاستعمار الإنجليزي في مصر، وكشف النقاب عن وجهها الشائه القبيح في كل أعداد مجلة المنار إما تصريحاً أو تلميحاً، وفي هذا الصدد يلخّص الدكتور "سامي الكومي" موقفه إزاء الاستعمار وآثاره السلبية في العالم الإسلامي قائلاً:" إعلان حرب لا هوادة فيها على ما اقترن بدخول الأوروبيين إلى مصر وغيرها من البلاد الإسلامية من الانحلال الخلقي والعادات الضارة، ففي مقال بعنوان "الجيوش الغربية المعنوية في الفتوحات الشرقية"، يقول:" إن الغرض من الفتوح والاستعمار تكثير المال وتنمية الثروة، وإن الدول الأوروبية توفّر على نفسها القتال حتى لا اريق دماء أبنائها وتسلّط الأمم الشرقية جيوشاً معنوية أقوى من الجيوش المادية، فأن الأوروبيين ساقوا عليه – الشرق – خمسة فيالق هي الخمر والميسر والربا والبغاء والتجارة فنسفوا بذلك ثروته، وقتلوا غيرته وأضعفوا همته وأفسدوا ما كان له من بقايا أدب ودين ". ا هـ.
لهذا لم يكن مفاجئاً أن يقف الشيخ محمد رشيد رضا موقفاً مشرّفاً عندما أطلّت فتنة اللغة العامية برأسها ورفعت عقيرتها النشاز في محاولة خبيثة لطمس الهوية العربية الإسلامية للمجتمع المصري عن طريق محاربة اللغة العربية لقطع أوثق رباط يربط المسلمين في مصر بالقرآن الكريم الذي هو الركن الركين للهوية الإسلامية.
فتولّت بعض المجلات ذات النزعة التغريبية كِـبْـر هذه الخطة الهدّامة كمجلة "المقتطف"، و"المقطّم"، ومجلة "الأزهر" التي أصدرها الإنجليزي "ويليام كوكس" (وهي غير مجلة الأزهر الصادرة عن جامعة الأزهر)، وأخذت على عاتقها نشر هذه الفكرة تحت سمع وبصر الإنجليز. فوقعت في يد الشيخ رشيد كراسة مطبوعة تدعو إلى استخدام اللغة العامية بدل الفصحى، وكتابتها بحروف لاتينية، فتصدّى لها في مقالين طويلين بعنوان " صدمة جديدة على اللغة العربية "، وفنّد آراء مؤلف الكراسة بحجج قوية واضحة، أبان فيها عوار هذه الدعوة الضالة، وما يراد منها من أهداف خبيثة.
• نهاية المجلة :
توُفّي الشيخ محمد رشيد رضا في 23 من جمادى الأولى لعام 1354 هـ، الموافق 1935 م، بعد أن استكملت المنار مجلدها الرابع والثلاثين وشرعت في الخامس والثلاثين، فكان لوفاة الشيخ وانقطاع المجلة وقعاً محزناً في العالم الإسلامي، فطالب الكثيرون من العلماء والأدباء والمؤرخين بإعادة إصدارها مرة أخرى لسدّ الفراغ الكبير الذي أحدثه توقفها، فأصدر أخوه " محي الدين رضا " عددين فقط، ولكنه لم يستطع الاستمرار. توقّفت بعد هذا المجلة لمدة عامين، ثم تولّت جماعة الإخوان المسلمين زمام المجلة، برئاسة الشيخ "حسن البنا" رحمه الله، فصدرت ستة أعداد منها، ثم توقّفت نهائياً في شعبان 1359 هـ، الموافق سبتمبر عام 194 م، لينطفئ آخر إشعاع انبثق من هذا "المنار" الشامخ الباذخ، فرحم الله الشيخ وأجزل له المثوبة عنا وعن أمة الإسلام. والله ولي التوفيق.
____
المراجع :
1 – " رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب "، للدكتور : محمد بن عبدالله السلمان، من منشورات نادي القصيم الأدبي ببريدة. الطبعة الأولى 1988.
2 – " الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر "، للدكتور : سامي الكومي، دار الوفاء، القاهرة، الطبعة الأولى، 1992.
3 – " الأعلام "، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة، 199.